حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )
45
شاهنامه ( الشاهنامه )
إذا مرضنا أتينا كم نعودكم * وتذنبون فتأتيكم ونعتذر ولم يزل بهما حتى استعطفهما ، وألان عريكتهما ، ونزع الغل من صدورهما . وصفت بينهم شريعة الحال عن كدر التنافس والتحاسد . ولبثوا كذلك حينا . سماحة إيرج ورجاحة عقله وتعاطف القادة والجماهير معه ثم إن أهل تلك الممالك لما طلع عليهم إيرج رأوا منه ملكا قد ملأ عن الزمان بصباحة وجهه ، ورجاحة عقله ، مع ما اختص به من السجايا المعسولة ، والشمائل المشمولة . فتفاوضوا في ذكره ، وما حباه اللّه تعالى من مكارم الشيم ، ولطائف الكرم . فكان لا يجتمع اثنان من أركان تلك الدولة وأعيانها إلا وكان ذكره لسانهما ، وراحة أرواحهما ، ونزهة قلوبهما وأسماعهما . فبلغ ذلك إلى سلم فتحرّك ذلك الحقد الدفين ، والحسد القديم . وخلا بتور وأعلمه إقبال قلوب جميع العسكر عليه . وميل أهوالهم اليه ، وأنهم لا يشتغلون إلا بذكر أخلافه ، ووصف سيره ، واستصواب رأى أبيه في ترشيحه للسلطنة . فحملهما فساد ضميرهما ، ودغل قلوبهما ، على الغدر به ، وقطع رحمه . قتل إيرج بيد أخويه فلما أصبحا من الغد ركبا إلى مخيمه . فلما رآهما من بعيد استقبلهما متلطفا ، وتلقاهما متملقا . فدخلوا السرادق وأخلوا المكان ، وقعدوا يتفاوضون في أمور المملكة . فأفضى بهم الكلام إلى ذكر أبيهم وظلمه إياهما في إزاحتهما عن صميم المملكة إلى بعض الأطراف . فرفع تور صوته بتسفيه أبيه في ذلك ، وأخذ إيرج يتلطف ويتملق في الإجابة ، ويذكر أنه قد خرج من تلك المملكة كراهة استيحاشهما ، وتوخيا لرضاهما ، فانجر الحديث حتى وثب تور من مكانه كالنار الموقدة ، وأخذ مكرسيا من ذهب كان تحته ورماه به . فتضرع اليه بالبكاء ، وأجهش لديه بالعويل ، وطلب الأمان . فاستمرّت به القسوة وأخرج خنجرا كان معه فهتك به حجاب قلبه ، ونقب خزانة روحه ، وفجعه بشبابه الناضر ، وشطاطه الناعم . ولم يرع للّه تعالى حرمة ، ولا راقب لأبيه إلَّا ولا ذمة ، وغرقه كالشمس وقت الشفق في نجيع دمائه ، ولم يبق على حشاشته ودمائه : ظلت سيوف بنى أبيه تنوشه * للّه أرجام هناك تشفق ما كان ضرك لو مننت وربما * من ّ الفتى وهو المغيظ المحنق قال ثم أمر برأسه فرفع ، وحشى . المسك والكافور ، ولف في ثوب حرير ، وأودع تابوتا معمولا من ألواح الذهب ، ونفذه إلى أبيه .